الصحابة والتابعين

مقال عن عمر رضي الله عنه

إن الله عز وجل قد أختار لنبيه محمد صلَّ الله عليه وسلم أفضل الصحب وأخيرهم، من بين كلِّ الناس، وقد كان أقربهم إليهم عليه الصلاة والسلام أبو بكر ” الصديق ” وعمر بن الخطاب ” الفاروق ” رضي الله عنهما، وكانا ملازمين له أينما ذهب وقد تزوج المصطفى عليه الصلاة والسلام من ابنتيهما، وفي هذا الفضل العظيم لهما، وفي هذا المقال سنتكلم عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

لعمر بن الخطاب منزلة عظيمة ومكانة رفيعة أيضا في رفع صرح الإسلام . كان عمر الخليفة العادل يؤدي الحقوق إلى أصحابها , وكان زاهدا وعابدا ناسكا , قويا أمينا , هو بحق إمام المتقين .فعمر شخصية فريدة في نوعها فذة , عظمة في بساطة , يقين في قوة , قوة في عدل , ورحمة ورأفة بجميع المسلمين .


قوته وبطشه


كان عمر في الجاهلية تاجرا مشهورا من أشراف قريش , وكان سفيرا لقريش في الحرب والسلم , والغريب أنه كان من أشد الناس عداوة لرسول الله , لدرجة أنه كان يعذب جارية بني مؤمل حتى اشتراها أبو بكر وأعتقها .


إسلامه رضي الله عنه


خرج عمر يسعى إلى رسول الله يبغي قتله , بعدما هاجر المسلمون إلى الحبشة ، فقابل صديق له ، فلما علم عمر قال له : (( ألا تذهب لقتل أختك وزوجها سعيد بن زيد فقد أسلما)) فأسرع إليهما والغضب يكاد يذهب بعقله ، فلما دخل عليها وكان عندها قوم يقرأون القرآن فاختبئوا منه رعبا وخوفا ، فضرب شقيقته وزوجها فلما رأى الدم يسيل من وجه شقيقته أخذته الرأفة بها فقال لها ((أريني الصحيفة التي كانت معك)) فرفضت فاطمة بنت الخطاب أن تعطيها له حتى يتوضأ ويغتسل ، فجعل فأعطته الصحيفة فتغير حال عمر حين قرأ القرآن . 
بسم الله الرحمن الرحيم
(طـه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3)) [ طــه : ا-3] 
وأشرق نور الإيمان في قلب عمر حين قرأ القرآن ، فأسلم عمر وأعلن إسلامه ، وذهب إلى أبى جهل وأخبره أنه تبع دين محمد ، دين الحق ، وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة عم الرسول بثلاثة أيام . كان رسول الله يدعو الله أن يعز ويؤيده بإسلام عمر ، وبإسلام حمزة وعمر أصبح المسلمون يجهرون بإسلامهم وصلاتهم .
هجرة عمر رضي الله عنه إلى المدينة
حين هاجر رسول الله إلى المدينة ومعه أبو بكر ، أخذت قريش تؤذي وتمنع من يخرج للهجرة من المسلمين ، ولكن عمر هاجر وهو متقلد سيفه ، وقد حمل قوسه وأسهمه في يده وذهب إلي الكعبة وطاف سبعا ثم صلى ركعتين عند المقام ودار يحول أشراف مكة واحدا واحدا ، وهم يومئذ أهل شرك ، وقال لهم : ((من أراد أن تثكله أمه (أي تفقده) وييتم ولده ، وترمل زوجته ، فليحقني وراء هذا الوادى فما تبعه أحد فليحقني وراء هذا الوادي)) فما تبعه أحد.
شهد الفاروق عمر بن الخطاب كل الغزوات مع رسول الله . وحين حضرت أبو بكر الوفاة ، أوصى بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب . وكان عمر قد وضع دستور للناس كله عدل وصدق وأمان ، فها هو يقول للناس ((إن الله قد ابتلاكم بي وابتلاني بكم ، وأبقاني فيكم)) . وأخبر الناس أن سوف يحسن إلي من أحسن ، ويعاقب من يسيء ، وطلب منهم إذا رأوا فيه اعوجاجا أن يقوموه . فقال له أحدهم: ((والله لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناك بسيوفنا)) . فلم يغضب عمر قائلا ((الحمد لله الذي جعل الأمر شوري بينكم وبيني)) . 


خلافة عمر العادل الزاهد


لعمر بن الخطاب موقف غاية في الإنصاف والعدل . جاء أحد المصريين إلى الخليفة العادل عمر يشكو عمرو بن العاص وابنه الذي كان بينهما سباق بالخيل , فسبق المصري ابن عمرو بن العاص. فلما غضب ابن عمرو بن العاص قام بضرب المصري بالسوط وهو يقول له (خذها وأنا ابن الأكرمين)). فذهب المصري إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب لكي يشكو إليه ما فعله ابن عمرو بن العاص , فأرسل عمر بن الخطاب إلي عمرو بن العاص وابنه ليحضرا إليه. . . فلما وصلا إليه وقدما عليه أعطى للمصري سوطا وطلب منه أن يضرب ابن عمرو بن العاص وهو يقول له : ((اضرب ابن الأكرمين, فأخذ المصري السوط وضرب ابن عمرو بن العاص)). وقال عمر قولته الشهيرة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)).
وجعل لكل فرد في الدولة راتباً يكفيه, كما كان يعفي من أهل الكتاب من لا يستطيع دفع الجزية, بينما كان يسير وهو في المدينة وثوبه به أكثر من عشرين رقعة.


لعمر قصة شهيرة مع أحد الرعية, وقف ذات يوم على المنبر ليخطب في الناس , فقال له أحدهم(والله لا نستمع إليك وقد ميزت نفسك علينا يا أمير المؤمنين, فأعطيت لكل واحد منا جلباباً واحداً وأخذت لنفسك جلبابين)), فنادى عمر رضي الله عنه على ابنه عبد الله ليقول له ( يا عبد الله, من صاحب الجلباب الثاني؟)) فيقول عبد الله(إنه لي يا أمير المؤمنين, ولكنى تركته لك)) فأكمل عمر(وانتم كما تعلمون أنني رجل طوال”طويل القامة” وكان الجلباب الأول قصيراً ,فأعطاني ولدي جلبابه فأطلت به جلبابي)) فيعتذر إليه الرجل وهو يقول له (الآن نسمع لك يا أمير المؤمنين ونطيع)).


صفاته رضي الله عنه


كان عمر قوياً في الحق, رحيماً بالفقراء والمساكين, وكان ذا شخصية مهيبة, ورغم ذلك كان سريع البكاء والخشوع بين يدي ربه , وصاحب فراسة نادرة وعجيبة, فذات مرة حدث أنه كان يخطب خطبة الجمعة والناس يستمعون إليه إذ به ينادي بأعلى صوته(يا سارية الجبل”أي الزم الجبل وأعط ظهرك إليه لكي تحذر عدوك من خلفك”ومن استرعى الذئب ظلم)).وعاد يكمل خطبته وصلى بالناس. وبعد الصلاة سأله علي (سمعناك تنادي”يا سارية الجبل” ؟)). فقال عمر((أو سمعتني يا علي؟)), فقال علي بن أبي طالب ((وكل من في المسجد سمعك)),فقال عمر ((لقد رأيت كأن المشركين التفوا حول المسلمين وكادوا يهزمونهم, وهم يمرون بجبل, فلو اتجهوا إليه انتصروا على المشركين, وإن تركوه هلكوا وانهزموا, فصحت بهم “الجبل الجبل”)). وبعد مرور شهر على تلك الخطبة جاءه البشير فقال لهم ((إنهم سمعوا في ذلك اليوم صوتاً يشبه صوت عمر بن الخطاب وهو يقول “يا سارية الجبل الجبل” واتجهنا إليه, وفتح الله علينا بالنصر)).


الزهد والتقشف والورع والنزاهة


في عام الرمادة, كان هذا العام هو عام المجاعة الشديدة, أمر عمر بذبح جزور وتوزيع لحمه على أهل المدينة, فأُبقيَ لأمير المؤمنين جزء طيب من لحمه وعند الغداء وضع أمامه, فقال(بئس الوالي إن أكلت أنا أطيب ما فيها وتركت للناس عظامها)) وأمر فرفعت من أمامه وطلب الخبز والزيت.
في إحدى جولاته التفـتيشية التي كان يفاجئ بها الأسواق وجد أبلاً سمينة, فسأل لمن هذا؟ فقالوا(إنها إبل عبد الله بن عمر)) فانتفض عمر بشدة وأرسل في طلب ابنه عبد الله .وسأله(من أين لك بثمنها؟)) فقال عبد الله(اشتريتها بمالي لأتاجر فيها)) فقال عمر(ارجعها إلى بيت مال المسلمين, وخذ ما دفعته فيها فقط)) .
وعبد الله بن عمر كان من الأتقياء الصالحين, وهو من رواة الأحاديث. وقد رفض عمر إلحاح أصحابه كي يوليه منصباً من مناصب الدولة, أو أن يرشحه للخلافة.


تواضعه رضي الله عنه


تذكرون حين وفد بعض التجار إلى المدينة ونصبوا خيامهم على مشارفها, فلما خرج عمر ومعه عبد الرحمن بن عوف ليتفقد أحوال القافلة وجلسا على مقربة من القافلة.وقال عمر لعبد الرحمن (سنمضي هنا بقية الليل نحرس ضيوفنا)). ولكن سمع صوت بكاء طفل فقام ليتبع الصوت, وقال لأم الطفل(اتقي الله يا هذه, وأحسني إلى طفلك)) فقالت له المرأة(إني أفطمه, ولهذا يبكي)) فقال لها عمر(كيف تفطمينه وهو صغير هكذا؟)) فقالت له المرأة (لأن أمير المؤمنين لا يعطي الراتب للطفل الرضيع ويعطيه للفطيم فقط)) .
ويروى عن عبد الرحمن بن عوف أن أمير المؤمنين عمر في تلك الليلة حين صلى بالمسلمين الفجر لم يستطع الناس أن تتبين قراءته من شدة بكائه. . . وظل يردد(كم قتلت من أولاد المسلمين يا عمر)). وأمر المنادي أن ينادي في الناس (لا تعجلوا بفطام أطفالكم)) فقد أمر أمير المؤمنين لكل وليد براتب وكسوة وطعام .


عدله مع أهل الكتاب


ها هو عمر يسطر أكبر شهادة للإسلام أنه دين التسامح والإخاء والمودة والسلام والرحمة. حدث ذلك حين طلب أساقفة بيت المقدس تسليمها إلى أمير المؤمنين بنفسه, فحضر إليهم وكتب لهم أماناً على أنفسهم وأولادهم وأموالهم وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن. وحين أذن مؤذن للصلاة وكان عمر جالساً في كنيسة القيامة خرج مسرعاً ليصلي خارج الكنيسة في الأرض الفضاء أمامها, وقال للبطاركة(لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي وقالوا “هنا صلى عمر”)).
وكان العهد الذي سطره التاريخ لعمر منذ ألف وأربعمائة سنة ونيف يقول لأهل إيلياء(هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين, أعطاهم الأمان)) .


عمر رضي الله عنه ونظام الحكم


كان عمر هو الذي أنشأ الحكومة وجعل لها الدواوين ونظم فيها الإدارة والقضاء وجعل فيها بيت المال, وهو الذي أشار بوضع علم النحو لحفظ اللغة العربية, كما أنه ألح على أبي بكر في جمع القرآن الكريم وبدأ أبو بكر بجمع القرآن الكريم, ولما توفى أكمل عمر حتى كان عهد عثمان , فكان المصحف الذي نعرفه الآن .

عدل عمر وحكمته


الخليفة العادل يعظ أحد الرعية

في أحد الأيام أحضروا لعمر غلماناً قد سرقوا ناقة رجل, ورآهم عمر وأجسامهم ضئيلة وهزيلة, والبؤس باد عليهم, ووجوههم صفراء, فأحضر سيدهم وقال له(لقد كدت أعاقبهم لولا علمي أنك تجيعهم, فلما جاعوا سرقوا, ولن أعاقبهم بل أعاقبك أنت, وعليك أن تقوم بدفع ثمنها إلى الرجل)) وقال للغلمان(اذهبوا ولا تعودوا لمثل هذا مرة ثانية)) .

وفاة عمر رضي الله عنه


وهكذا ظل عمر يحكم بالعدل والإنصاف ويعيش تقشفاً زاهداً حتى كان ذات يوم يصلي بالناس فاختبأ له غلام مـجوسي”من عبدة النار” يسمى أبا لؤلؤة وطعن عمر بخنجر, ولما قبض عليه انتحر.

وكان رضي الله عنه ينصح الناس ويعظهم في رمقه الأخير، حيث عاده أحد الشبان فلما انصرف ناداه عمر وقال له يا هذا إن ثوبك طويل، فأقصره فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك، ثم كلّم ابنه عبدالله وقال له يا عبدالله ضع وجهي على التراب، ولمّا خاف عبدالله أن يكون هذا بتأثير سكرات الموت ألح عليه أبوه عمر رضي الله عنه فوضع وجهه، وقال عمر : ” ويلٌ لأم عمر إن لم يغفر الله لعمر”. فقال ابنه عبدالله يا أمير المؤمنين إني سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : ” أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة”. فقال يابني أخشى أنها على شرط لم يقع.

السابق
قصة زكريا عليه السلام
التالي
طريقة تحضير الصينية المسقعة

اترك تعليقاً